سيد محمد طنطاوي
195
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومنها : قطع أطماع الموالين لهم وتبشير المؤمنين بالفوز قال - تعالى - : * ( فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه ) * . ومنها : الإخبار عن حال الموالين لهم بقوله : * ( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ) * . وهنا قد يرد سؤال وهو : إن الآيات الكريمة وما يشبهها من الآيات القرآنية تؤكد النهى عن موالاة غير المسلمين ومودتهم فهل هذا النهى على إطلاقه ؟ والجواب عن ذلك أن غير المسلمين أقسام ثلاثة : القسم الأول : وهم الذين يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم ، ولا يعملون لحساب غيرهم ولم يبدر منهم ما يفضى إلى سوء الظن بهم . وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، ولا مانع من مودتهم والإحسان إليهم كما في قوله - تعالى - لا يَنْهاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ، ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ « 1 » . والقسم الثاني : وهم الذين يقاتلون المسلمين ، ويسيئون إليهم بشتى الطرق وهؤلاء لا تصح مصافاتهم ، ولا تجوز موالاتهم ، وهم الذين عناهم اللَّه في الآيات التي معنا وفيما يشبهها من آيات كما في قوله - تعالى - إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 2 » . والقسم الثالث : قوم لا يعلنون العداوة لنا ولكن القرائن تدل على أنهم لا يحبوننا بل يحبون أعداءنا ، وهؤلاء يأمرنا ديننا بأن نأخذ حذرنا منهم دون أن نعتدى . ومهما تكن أحوال غير المسلمين فإنه لا يجوز لولى الأمر المسلم أن يوكل إليهم ما يتعلق بأسرار الدولة الإسلامية . أو أن يتخذهم بطانة له بحيث يطلعون على الأمور التي يؤدى إفشاؤها إلى خسارة الأمة في السلم أو الحرب . وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين من ولاية اليهود والنصارى ، عقب ذلك بنداء آخر وجهه إليهم ، وبين لهم فيه أن موالاة أعداء اللَّه قد تجر إلى الارتداد عن الدين ، وأنهم إن ارتدوا فسوف يأتي اللَّه بقوم آخرين لن يكونوا مثلهم ، وأن من الواجب عليهم أن يجعلوا ولا يتهم للَّه ولرسوله وللمؤمنين فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) سورة الممتحنة آية 8 . ( 2 ) سورة الممتحنة آية 9 .